
لا تكمن المعضلة الدستورية في قابلية النصوص للتعديل، وإنما في قابلية السلطة لإعادة تعريف ما وُضع أصلاً لتقييدها. فالتاريخ الدستوري لا يدل على أن الدول تنهار بفعل الجمود، وإنما يكشف أن لحظة الخطر الحقيقي هي تلك التي تتحول فيها سلطة المراجعة الدستورية بوصفها سلطة مشتقة ومقيّدة إلى أداة لإعادة تأسيس النظام من داخل النص، من غير تفويض تأسيسي جديد. عند هذا الحد، لا يعود الإشكال متصلًا بوجود سلطة المراجعة في ذاته، وإنما بحدودها وموضوعها، أي بالسؤال عمّا يجوز إخضاعه للمراجعة وعمّا ينبغي أن يبقى خارج منطق التفاوض السياسي. فحين تُفتح القواعد المؤسسة نفسها أمام هذا التفاوض، يفقد الدستور وظيفته كمرجعية عليا، ويتحوّل إلى عنصر داخل الصراع بدل أن يبقى إطارًا ناظمًا له. من هنا تتضح أهمية التحصين الدستوري بوصفه آلية لضبط علاقة سلطة المراجعة بالسلطة التأسيسية الأصلية. فالمواد المحصّنة هي تلك الأحكام التي يضعها المؤسس خارج نطاق سلطة المراجعة، حمايةً لهوية النظام أو لمبادئه التأسيسية. ويُستعمل في الفقه الدستوري المقارن مصطلحا Entrenched Clauses وEternity Clauses للدلالة على هذه الأحكام، سواء جاءت بصيغة تحصين مادي يمنع المساس بمضمون معين، أو بصيغة تجعل المراجعة ممكنة من حيث المبدأ لكنها محاطة بقيود إجرائية بالغة الكلفة. ويُعدّ القانون الأساسي الألماني النموذج الأوضح للتحصين المادي الصريح. فالمادة 79، الفقرة الثالثة، تحظر أي تعديل يمس البنية الاتحادية للدولة أو المشاركة الجوهرية للولايات في العملية التشريعية أو المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها كرامة الإنسان والطابع الديمقراطي ودولة القانون. هذا التحصين لا يحمي نصوصًا تقنية، وإنما يصون جوهر النظام السياسي ذاته، ويضع حدودًا مادية لا يجوز لسلطة المراجعة تجاوزها تحت أي ظرف. في المقابل، يعكس النموذج الكندي تصورًا مختلفًا للتحصين، يقوم على الكلفة الإجرائية لا على المنع المادي الصريح. فبعض الأحكام الدستورية لا يمكن تعديلها إلا بإجماع الدولة الفيدرالية والمقاطعات، وتشمل النظام الملكي، واللغتين الرسميتين، وتركيبة المحكمة العليا، وصيغة تعديل الدستور نفسها. ولا يحظر هذا النموذج المراجعة من حيث المبدأ، غير أن تعقيد مسطرتها يجعل تجاوز هذه القواعد شبه مستحيل عمليًا، بما يؤدي وظيفة تحصينية دون اللجوء إلى إعلان مواد “غير قابلة للتعديل”. أما النماذج الأخرى، كالحالة التركية والفرنسية، فتقع بين هذين الحدّين، بين تحصين نصي مباشر يستهدف عناصر الهوية الدستورية، وتحصين مبدئي يركّز على حماية الشكل العام للنظام مع ترك هامش من المرونة المؤسسية. وتُظهر هذه المقارنة أن التحصين لا يتخذ شكلًا واحدًا، وإنما يتكيّف مع تاريخ الدولة وبنيتها السياسية وقدرتها على إنفاذ القيود التي يضعها النص. في السياق الموريتاني، يكتسب التحصين بعدًا خاصًا بحكم هشاشة التجربة المؤسسية وتاريخ القطيعات السياسية. فالدستور يتضمن تحصينًا صريحًا يمس جوهر النظام السياسي وقواعد تداول السلطة، ويضع حدودًا واضحة لسلطة المراجعة، سواء من خلال حظر المساس بكيان الدولة والصبغة الجمهورية والتعددية الديمقراطية، أو عبر تحصين قواعد المأمورية الرئاسية، المعزَّزة بصيغة القَسَم الدستوري. وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى هذه الأحكام بوصفها قيودًا تقنية، وإنما باعتبارها عناصر مؤسسة للعقد الدستوري ذاته، وُضعت لمنع إعادة إنتاج الحكم غير المحدود وتأمين حد أدنى من الاستقرار القانوني. تكمن خطورة المساس بهذه القواعد في أنه لا يشكّل توسعة عادية لسلطة المراجعة، وإنما انقلابًا هادئًا على طبيعتها المشتقة. فحين تُستعمل سلطة المراجعة لإعادة تعريف القواعد التي أنشأتها، يفقد الدستور مكانته كقانون أعلى، ويتحوّل إلى أداة ضمن توازنات القوة الظرفية. الدستور الذي تُمحى فيه الحدود الفاصلة بين سلطة المراجعة والسلطة التأسيسية لا يُعدَّل النظام السياسي، وإنما يُفكَّك من الداخل باسم الشرعية ذاتها.


