الضريبة بين الشرعية القانونية والجدوى الاقتصادية / اسماعيل ولد احمدوا

خميس, 03/12/2026 - 11:45

كلما طُرحت ضريبة جديدة في النقاش العام، ينقسم الرأي سريعًا بين فريقين: فريق يرفضها بوصفها عبئًا إضافيًا على المواطنين، وفريق يدافع عنها باعتبارها ضرورة لتمويل الدولة. غير أن هذا الجدل غالبًا ما يغفل التمييز بين سؤالين مختلفين: هل الضريبة مشروعة قانونيًا؟ وهل هي ملائمة اقتصاديًا؟
من الناحية القانونية، لا يثير فرض رسوم جمركية على الهواتف المحمولة إشكالًا كبيرًا. فالهاتف، في نهاية المطاف، سلعة إلكترونية مستوردة تخضع — مثل غيرها من السلع — لمنظومة الجمارك والضرائب غير المباشرة. ولهذا تعتمد معظم الدول مزيجًا من الأدوات الضريبية في هذا المجال: حقوق جمركية، وضريبة على القيمة المضافة، وأحيانًا رسوم تنظيمية مرتبطة بقطاع الاتصالات.
غير أن الشرعية القانونية لا تكفي وحدها لحسم النقاش. فالسؤال الاقتصادي يظل مطروحًا: ما أثر هذه الضرائب على السوق، وعلى سلوك المستهلكين، وعلى مسار التحول الرقمي في المجتمع؟
تشير المعطيات المتداولة إلى أن الرسوم في موريتانيا تتدرج بحسب قيمة الجهاز، حيث تكون منخفضة نسبيًا للهواتف البسيطة وترتفع مع الأجهزة الأعلى سعرًا. وهذه المقاربة ليست غريبة في السياسات الجمركية، إذ تقوم على فكرة أن السلع الأعلى قيمة يمكن أن تتحمل عبئًا ضريبيًا أكبر دون أن يترتب على ذلك أثر اجتماعي كبير.
لكن النقاش الاقتصادي لا يتوقف عند مستوى الرسوم فقط، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة السلعة نفسها. فالهواتف المحمولة لم تعد مجرد أدوات ترفيه أو كماليات استهلاكية كما كانت في الماضي. ففي كثير من المجتمعات النامية أصبحت هذه الأجهزة بوابة أساسية إلى الاقتصاد الرقمي: من التعليم والخدمات المالية إلى التجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية.
ومن هنا يظهر أحد التحديات الأساسية في تصميم السياسة الضريبية: كيف يمكن للدولة أن تعبّئ الموارد المالية الضرورية لتمويل خدماتها العامة دون أن تفرض في الوقت نفسه حواجز غير مقصودة أمام التحول الرقمي أو توسع الاقتصاد الرسمي؟
هذه المسألة ليست خاصة بموريتانيا وحدها. فالكثير من الدول التي تسعى إلى تعزيز إيراداتها تواجه المفاضلة نفسها: بين الحاجة إلى الموارد المالية وبين الحفاظ على بيئة اقتصادية تشجع الابتكار والاستثمار.
في هذا السياق، يصبح النقاش حول الضرائب على الأجهزة الرقمية جزءًا من سؤال أوسع يتعلق ببنية النظام الضريبي نفسه. فالاقتصادات الحديثة تميل عادة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الضرائب المباشرة — مثل الضرائب على الدخل والأرباح — لأنها أكثر ارتباطًا بالقدرة الفعلية على الدفع. أما الضرائب على الاستهلاك فتظل أداة مهمة، لكنها تتطلب دائمًا قدرًا من الحذر في تصميمها حتى لا تؤدي إلى آثار غير متوقعة على النشاط الاقتصادي.
ومع ذلك، فإن من الخطأ أيضًا اختزال النقاش في رفض الضريبة من حيث المبدأ. فالدول لا تستطيع تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية دون موارد مالية مستقرة. والضرائب، تاريخيًا، كانت دائمًا جزءًا من العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بالمجتمع.
لكن هذا العقد يقوم على شرط أساسي: الثقة. فحين يرى المواطن أن الموارد الضريبية تتحول إلى خدمات عامة ملموسة، يصبح تقبل الضريبة أمرًا طبيعيًا. أما حين يغيب هذا الشعور، فإن أي ضريبة — مهما كانت معتدلة — قد تُستقبل بالشك والرفض.
لهذا السبب، ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت الضريبة على الهواتف قانونية أو حتى معقولة من حيث النسبة. السؤال الأعمق يتعلق بكيفية إدماج مثل هذه الإجراءات داخل رؤية اقتصادية أوسع توازن بين ثلاثة أهداف مترابطة: تمويل الدولة، وتشجيع النشاط الاقتصادي، والحفاظ على قدر من العدالة الاجتماعية.
ففي النهاية، ليست الضريبة مجرد رقم يُضاف إلى فاتورة الاستهلاك، بل جزء من العلاقة المعقدة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع. والنجاح الحقيقي لأي سياسة ضريبية لا يقاس فقط بقدرتها على جمع الإيرادات، بل أيضًا بقدرتها على تحقيق هذا التوازن الدقيق